احمد الشافعي يكتب: الشعر العمودي لم يمت… الذي مات هو الوهم بأن الحداثة تُقاس بإسقاط الوزن

الشعر العمودي لم يمت… الذي مات هو الوهم بأن الحداثة تُقاس بإسقاط الوزن
هناك ظاهرة طريفة في بعض الكتابات الشعرية المعاصرة: أن يكتشف بعضهم أنه صار «حديثًا» لمجرد أنه تخلّى عن الوزن والقافية، ثم ينظر إلى القصيدة العمودية باعتبارها بقايا زمن انقضى، وإلى شعرائها باعتبارهم أسرى ماضٍ تجاوزه العصر.
والحقيقة أبسط وأعمق من ذلك كله: الشعر لا يصبح حديثًا لأنه تخلّى عن الوزن، كما أنه لا يصبح قديمًا لأنه احتفظ به ، فالحداثة ليست هيئة خارجية للنص، ولا عدد الأسطر التي لا تتساوى، ولا غياب القافية، وإنما هي طريقة جديدة في رؤية العالم والتعبير عنه والسؤال الحقيقي ليس: هل القصيدة موزونة أم غير موزونة؟ بل: ماذا قالت؟ وكيف قالت؟ وهل أضافت شيئًا إلى تجربة الشعر؟.
ومن أكثر المغالطات شيوعًا النظر إلى الشعر العمودي باعتباره قالبًا ثابتًا لم يتغير منذ امرئ القيس. وهذا غير صحيح؛ فقد مر الشعر العربي بتحولات واسعة في موضوعاته وصوره ولغته ونبرته وموسيقاه وعلاقته بالإنسان والمجتمع والوطن والأسئلة الوجودية.
ثم إن الوزن ليس محتوى القصيدة حتى يكون قديمًا أو حديثًا، وإنما هو أداة موسيقية. ووجود البيانو لا يجعل الموسيقى التي تُعزف عليه قديمة، كما أن القيثارة لا تجعل كل ما يُعزف عليها كلاسيكيًا. الأداة لا تقتل الإبداع، وإنما العجز عن استخدامها هو الذي يكشف محدودية الصانع.
والقصيدة العمودية ليست الصورة المدرسية الجامدة التي يختصرها بعض خصومها في ألفاظ فخمة ومديح ورثاء وغزل فالوزن لا يمنع الشاعر من أن يتناول الحياة الحديثة و صراعاتها، والغربة، والهجرة، والأزمات العامة والخاصة ، والحب وكل أسئلة الإنسان المعاصر لا يوجد في البحر الطويل شرط يقول للشاعر:
«إياك أن تتحدث عن القرن الحادي والعشرين» ولا في الكامل قانون يمنعه من التعبير عن الإنسان الحديث البحر لا يفرض عليك العصر الذي تعيش فيه؛ أنت الذي تملؤه بعصرك.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: بعض دعاة التجديد بدأوا باعتراض مشروع على الجمود، ثم انتهوا إلى جمود آخر، حين جعلوا المعادلة: «كل موزون قديم، وكل غير موزون حديث». وهذا ليس تجديدًا، بل حكم مسبق جديد. فبدل أن يكون القفص هو القول: «لا شعر إلا موزونًا مقفى» أصبح القفص عند آخرين: «لا شعر حديث إلا إذا تحرر من الوزن» والشعر الحقيقي أوسع من القفصين.
والقصيدة العمودية الحديثة ليست مطالبة بتكرار لغة المتنبي أو صور شوقي أو نبرة البارودي؛ بل تستطيع أن تأخذ من التراث طاقته الموسيقية، ثم تنظر بعين معاصرة إلى عالمها. والمشكلة ليست في الوزن، وإنما في الشاعر الذي لا يستطيع أن يجدّد داخله.
فالموهبة ليست أن تهرب من الوزن، وإنما أن تجعل الوزن لا يبدو سجنًا، وأن تجعل اللغة تبدو وكأنها خرجت طبيعية من التجربة. والشاعر العمودي مطالب بأن يجمع بين المعنى والصورة واللغة والموسيقى وسلامة الإيقاع ووحدة التجربة، وهذه ليست مهمة سهلة.
وكذلك القافية ليست بالضرورة عدوة الحرية؛ ففي يد الشاعر المتمكن تصبح عنصرًا من عناصر البناء الموسيقي، تصنع الانتظار، وتؤكد المعنى، وتربط أجزاء القصيدة، وتمنح البيت قدرة على الاستقرار في الذاكرة. ولعل بقاء آلاف الأبيات في الذاكرة العربية عبر قرون دليل على قوة الموسيقى في حفظ الشعر.
والتجديد الحقيقي في الشعر العمودي قد يكون أكثر إثارة من مجرد الهروب من الوزن: أن تكتب قصيدة موزونة بقافية، لكن بلغة معاصرة، وصورة جديدة، وتفاصيل من الحياة اليومية، ومفاجآت فكرية ونفسية، دون الوقوع في أسر القاموس القديم. أما أن نخلع الوزن ثم نكتب كلامًا يمكن ترتيبه كيفما اتفق، فليس ذلك بالضرورة ثورة شعرية؛ فقد يكون نصًا عظيمًا، وقد يكون تجربة جميلة، وقد يكون مجرد كلام عادي قُطّع على الصفحة إلى أسطر قصيرة والفيصل في النهاية هو النص.
