مقالات وآراء

هل بدأت أمريكا تغيير قواعد اللعبة مع إيران؟.. قراءة في تصريحات ترامب الأخيرة وما قد يحدث خلال الفترة المقبلة

في رأيي، التصريحات الأخيرة التي خرج بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تكن مجرد كلمات عابرة أو محاولة جديدة لإثارة الجدل السياسي كما اعتاد كثيرون، لكن ما قيل هذه المرة يحمل رسائل أخطر وأعمق بكثير، خاصة أن الحديث جاء بشكل مباشر عن رفع الحصار البحري عن إيران، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة دون أي رسوم، إلى جانب الحديث عن اجتماع داخل غرفة العمليات لاتخاذ القرار النهائي المرتبط بالاتفاق مع طهران.

المشهد بالكامل يبدو وكأننا أمام مرحلة جديدة يتم تجهيزها في الشرق الأوسط، مرحلة قد تكون مختلفة تماماً عن السنوات الماضية التي سيطر عليها التصعيد والعقوبات والتهديدات العسكرية.

من يتابع الملف الإيراني منذ سنوات سيدرك أن العلاقة بين واشنطن وطهران مرت بتحولات كبيرة، بداية من سياسة الضغوط القصوى، والعقوبات الاقتصادية، ومحاولات عزل إيران دولياً، وصولاً إلى المواجهات غير المباشرة في أكثر من منطقة داخل الشرق الأوسط. لكن اللافت حالياً أن ترامب يتحدث بلغة مختلفة نسبياً، وكأن هناك إدراكاً داخل الولايات المتحدة بأن استمرار التصعيد بنفس الطريقة القديمة لم يعد يحقق النتائج المطلوبة.

تصريحات ترامب جاءت في توقيت حساس للغاية، خاصة مع حالة التوتر المستمرة في المنطقة، والأزمات الاقتصادية العالمية، والقلق المتزايد من أي اضطراب جديد قد يؤثر على حركة النفط والتجارة الدولية. وهنا تحديداً تظهر أهمية مضيق هرمز، لأنه ببساطة ليس مجرد ممر بحري عادي، بل شريان اقتصادي عالمي تمر عبره كميات ضخمة من النفط يومياً، وأي أزمة فيه يمكن أن تدفع أسعار الطاقة إلى مستويات غير متوقعة.

في تقديري، عندما يطالب ترامب بفتح المضيق دون رسوم، فهو يرسل أكثر من رسالة في وقت واحد. الرسالة الأولى موجهة لإيران نفسها، بأنه يريد ضمان حرية الملاحة بشكل كامل ومنع أي تهديد قد يؤثر على السفن التجارية أو ناقلات النفط. أما الرسالة الثانية فهي موجهة للأسواق العالمية والدول الكبرى، وكأن الإدارة الأمريكية تحاول تقديم نفسها باعتبارها الطرف القادر على إعادة الاستقرار للممرات البحرية الحيوية.

لكن السؤال الأهم هنا، لماذا الآن تحديداً؟

أعتقد أن هناك عدة أسباب وراء هذا التحرك المفاجئ. أولها أن الولايات المتحدة تدرك أن المنطقة أصبحت على حافة انفجار واسع، خاصة بعد سلسلة التوترات العسكرية والسياسية التي شهدها الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة. وثانيها أن الاقتصاد العالمي نفسه لم يعد يتحمل أزمات جديدة في الطاقة، خصوصاً مع ارتفاع المخاوف من الركود والتباطؤ الاقتصادي في عدد كبير من الدول.

كما أن إيران نفسها ليست في وضع سهل اقتصادياً، والعقوبات الطويلة أثرت بشكل واضح على الداخل الإيراني، وبالتالي قد ترى طهران أن أي انفراجة جزئية مع واشنطن يمكن أن تمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس اقتصادياً وسياسياً.

ورغم ذلك، لا أعتقد أن الأمور ستتحول فجأة إلى علاقة طبيعية بين الطرفين، لأن حجم الخلافات أكبر بكثير من مجرد تصريحات إعلامية أو تفاهمات مؤقتة. هناك ملفات معقدة للغاية ما زالت قائمة، مثل البرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإيراني في المنطقة، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين، إضافة إلى الضغوط الإسرائيلية المستمرة على واشنطن لعدم تقديم تنازلات كبيرة لطهران.

ومن وجهة نظري، السيناريو الأقرب خلال الفترة المقبلة هو الدخول في مرحلة تفاوض غير معلنة بشكل كامل، تتخللها رسائل سياسية متبادلة، وربما بعض التهدئة المؤقتة في الملفات الحساسة، لكن دون الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي في المدى القريب.

كما أتوقع أن تشهد الأيام المقبلة تحركات دبلوماسية مكثفة خلف الكواليس، سواء من دول أوروبية أو أطراف إقليمية تحاول استغلال اللحظة الحالية لمنع أي تصعيد جديد قد يخرج عن السيطرة.

اللافت أيضاً أن ترامب تحدث عن اجتماع داخل غرفة العمليات لاتخاذ القرار النهائي، وهذه النقطة بالتحديد توحي بأن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الملف باعتباره قضية أمن قومي وليست مجرد مسألة سياسية عادية. استخدام هذا النوع من التصريحات غالباً ما يكون مقصوداً لإظهار أن القرارات المقبلة ستكون حساسة ومؤثرة وربما مرتبطة بتوازنات عسكرية واقتصادية كبرى.

وفي حال تم بالفعل تخفيف الحصار البحري أو الوصول إلى تفاهمات جديدة حول الملاحة في مضيق هرمز، فمن المتوقع أن ينعكس ذلك سريعاً على أسعار النفط العالمية، وربما نشهد تراجعاً نسبياً في حالة القلق داخل الأسواق، لكن أي فشل للمفاوضات أو أي تصعيد مفاجئ قد يعيد المنطقة بالكامل إلى نقطة الصفر.

ما يحدث حالياً يؤكد أن الشرق الأوسط ما زال ساحة مفتوحة للمفاجآت، وأن العلاقة بين أمريكا وإيران لا يمكن قراءتها بمنطق ثابت، لأن الطرفين دائماً ما يتحركان وفق حسابات معقدة تتغير بسرعة حسب الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية.

وفي النهاية، أرى أن تصريحات ترامب الأخيرة ليست مجرد مناورة إعلامية كما يعتقد البعض، بل قد تكون بداية لتحول جديد في شكل العلاقة بين واشنطن وطهران، أو على الأقل محاولة لإعادة ترتيب قواعد الاشتباك السياسي والاقتصادي في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى