المواطنة في الإسلام ومسائل أخرى.. للكاتب الدكتور: محمود حسن

صدر عن مؤسسة الكرمة للثقافة والأدب الكتاب الفكري الجديد للدكتور محمود حسن. وتتقدم أسرة القسم الثقافي في مجلة “نوفيرا 24” بأصدق التهاني للزميل الكاتب القدير بمناسبة صدور هذا العمل المتميز، الذي يُعد إضافة نوعية تثري المشهد الثقافي في مصر والعالمين العربي والإسلامي، لما يقدمه من رؤى فكرية وإيضاحات قيّمة حول قضايا المواطنة.
المواطنة في الإسلام ومسائل أخرى “
توقفنا في المنشور السابق عند هذه المقطوعة عن شواهد من العصر القديم”
“والمغول قوم نشأوا في شمال الصين في صحراء “جوبي” من منغوليا، وكانوا يعبدون الأصنام والكواكب، ثم أسس جنكيز خان ديانة غريبة هي خليط من الإسلام والمسيحية والبوذية وأخرج كتابا يسمي (الياسق) أصبح دستور دولة التتار وعقيدتهم.”
واسمحوا لي أن أكمل هذا المحور وبعض شواهد من العصر الحديث:
ثانيا : التاريخ الحديث
1 _ الإنجليز والإسبان والأمريكان و الهنود الحمر:
ذبح الإنجليز والإسبان والأمريكان حاولي 112 مليون إنسان من 400 أمة خلال مائة وخمسين عاما، ولم يتبق من هذه الأمم إلا حوالي 250000 إنسان حسب إحصاء سنة 1900 م.
هؤلاء الهنود الذين يقول عنهم المكتشف “كريستوفر كولومبس” في رسالة أرسلها إلى ملك وملكة إسبانيا “هؤلاء الناس طيبون جدا ومسالمون جدا، بحيث إني أقسم لجلالتيكما، أنه لا توجد في العالم أمة أفضل منهم”.
لكن عندما أدرك المستعمر الأوربي بسرعة أنه أمام أرض الأحلام، التي سيبني عليها حضارة المستقبل، وأن سكانها لا يملكون سلاح قتال شرع مباشرة في التخلص والإبادة الجماعية واستخدم البنادق و انهاء حياة كل من صادف من نساء وأطفال وشباب وشيوخ.
واستعمل المستعمر أقذر الأساليب في الإبادة الجماعية، حيث قام البيض بإهداء الهنود الحمر مئات البطاطين والألحفة، وما لم يكن يعلمه هؤلاء المساكين ولم يخطر ببالهم أن الهدايا محملة بجراثيم ووباء الطاعون والدفتريا والحصبة والسل والكوليرا لتحصدهم حصدا “الحرب الجرثومية” التي قضت على 80 % من الهنود الحمر.
ثم رصدت السلطات الاستعمارية المكافآت والجوائز لمن ينهي حياة هنديا أحمر ويأتي برأسه، سواء كان طفلا أو امرأة أو رجلا لا يهم، المهم الرأس، وكانت الجوائز 100 جنيه استرليني لرأس الرجل و 50 جنيه استرليني لرأس المرأة والطفل، وسرعان ما انتشر الصيادون يجلبون الرؤوس ثم اقتصروا على فروة الرأس التي كانوا يسلخونها لكل يخف الوزن عليهم وعلى عرباتهم. ( 2 ) بدر عبد الله .. أكبر جريمة في تاريخ الإنسانية .. اختفاء الشعب الأحمر ) .
2 _ الفرنسيون واحتلالهم للجزائر ومصر وغيرها : ( 1 )
يقول “رجاء جارودى” فى كتابه “حوار الحضارات” : اعترف الفرنسيون “حسب اعتراف لجنة تقصى حكومية صدرت عام 1883” قائلين :
“لقد دنسنا المعابد والأضرحة، وحرمة المنازل والأمكنة المقدسة الإسلامية، ذبحنا أناسا يحملون تصاريح المرور، لمجرد شبهة جماعات سكانية بأسرها، وما لبثت أن اتضحت براءتها، وحكمنا على أناس اشتهروا بالقداسة في البلدان، أناس أجلاء، وذلك لأنهم كانوا يتحلون بقدر من الشجاعة”
مجازر 8 مايو 1945م
رصد كتاب الدكتور محمد عباس «الوعى ينزف من ثقوب الذاكرة» كل جرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر، حيث أورد في كتابه أنه في عام 1945 قامت مظاهرات سلمية في مدينة سطيف الجزائرية، بمناسبة الاحتفال بانتصار الحلفاء، وقد واجهت فرنسا المظاهرة بوحشية غير منقطعة النظير، بأن قاموا بضرب المتظاهرين بالأسلحة الثقيلة والمدفعية والدبابات والطائرات، كما شاركت المدمرات فى قصف المتظاهرين من البحر، حتى وصل عدد الموتي إلى 45 ألف قتيل، أما التقديرات الجزائرية فترتفع بالرقم إلى 70 ألف قتيل.
كما قام الفرنسيون بعد المجزرة بجمع الرجال في مكان والنساء في مكان مقابل، مافعلوه مع النساء أمام أزواجهن وآبائهن.
كان أهالي سطيف قد احتشدوا على مقربة من محطة القطارات بجوار الجامع الجديد، كانوا أكثر من ثمانية آلاف نساء ورجالا، صغارا وكبارا، أبناء مدن وفلاحين، وكان الجميع عُزلا مسلحين بالهتافات واليافطات فقط، لعدم إعطاء الجنود الفرنسيين حجة لقمعهم، حيث انطلق دوى الرصاص على الفور وخصوصا من رجال الشرطة، وسقط عدد من الموتي في طليعتهم الزعيم الوطني “صلاح بوزيد”، إضافة إلى عدد من الجرحى.
وأفراد ميليشيات الجاليات الأوروبية المرابطة عند الشرفات بدأوا بدورهم بإطلاق النار على المتظاهرين، وهذا ما حمل حتى بعض المحللين الفرنسيين على اعتبار أن المجزرة لم تكن ابنة ساعتها، بل نتيجة مؤامرة مدبرة سلفا من الفرنسيين.
وقد خاضت فرنسا المعارك بكل ترسانتها الحربية كأنها تقاتل جيشا موازيا، حيث شاركت حتى سفنها الحربية في قصف المدن والمواقع بمدفعية من عيار 155 ملليمتر صبت حممها على بجاية وخراطة، إضافة إلى قصف تدميرى مركز من عشرات الطائرات الحربية وحسبما يقول المؤرخ “بنجامان ستورا” ، لقد ارتكبت فرنسا مجازر سطيف وقالمه وخراطة في أسوأ لحظاتها السياسية “.
ملعب سكيكدة شاهد على مجازر 1955 م :
بعد هجوم الشمال القسنطينى الذى جرى بقيادة الشهيد زيغود يوسف، وجهت القوات الفرنسية ضربة قاسية ضد الشعب، الهدف منها الانتقام وقمع المدنيين في سكيكدة، الحروش، عين عبيد والميلية.
كانت مجازر جماعية رهيبة وصلت إلى 12000 قتيل، قام بتنفيذها ضباط فرنسيون منهم العقيد أوساريس، الذى عين ضابط المخابرات على سكيكدة فى ربيع 1955، وهو الذى عذب وشنق المئات من العُزل وشاركه في التعذيب الدرك والأمن والبوليس القضائى والمخابرات العامة وكذلك الأقدام السوداء.
وكان العنف الجسدى الأمر الواجب التنفيذ على الجزائريين العزل، كما قامت القوات الفرنسية بأنواعها بإطلاق النار على المواطنين العرب بالمدينة دون تفرقة بين الرجال والنساء والأطفال واعتقال المدنيين جماعيا، ثم ارتكبت عملية الإبادة الجماعية بالملعب البلدي من طرف الكتيبة الثامنة عشر باستعمال الجرافة لحفر خندق والردم الجماعى للجثث على طول الملعب، وكان عددهم نحو 1500 جثة .
جريمة نهر السين :
الأراضي الجزائرية لم تكن وحدها شاهدة على جرائم فرنسا ضد الشعب الجزائري، بل تشهد عليها أيضا الأراضي الفرنسية عندما تم انهاء حياة 300 شخص فى الأراضي الفرنسية من أبناء الجزائر، بعدما قامت بتاريخ 17 أكتوبر 1961 بمجزرة فى حق متظاهرين جزائريين خرجوا من أجل المطالبة باستقلال الجزائر.
فقامت قوات الأمن بالتعدي العنيف بالضرب والتعذيب على المتظاهرين، ومن ثم رميهم بنهر السين، وكانت نتيجتها 300 قتيل و400 مفقود، ماتوا بالغابات ومنهم من تم حرقه لأسباب عنصرية، وأكثر من 9 آلاف تم تعذيبهم داخل السجون لمدة 15 يوما.
جرائم السجون الفرنسية.. حكاية أخرى :
قام الجنود العسكريون باستخدام وسائل تعذيب بشعة خاصة ضد المتظاهرين الذين تم القبض عليهم أو ضد أهاليهم وأقربائهم، ومن بين الطرق التي كان يلجأ إليها الجنود الفرنسيون من أجل استنطاق المساجين، الكى بالتيار الكهربائى.
حيث توضع أقدام المعذب فى الماء ويصعق بالكهرباء، وتوضع الأقطاب بأذنيه أيضا، ويجد الضباط والجنود المشرفون على التعذيب متعة كبيرة وهم يضحكون ويسخرون من السجين رجلا كان أو امرأة، كما كان الجنود يستخدمون طريقة أخرى أخطر من سابقتها.
والمتمثلة في الحرق بواسطة المشعل المستعمل في تلحيم المعادن «شاليمو» فيحرق جسم السجين لتترك آثارا وحروقا بكامل الجسم، إضافة إلى ذلك كان المستعمر يلجأ إلى اعمال غير اخلاقية مع الرجال والنساء.
حيث يقوم بتعرية السجين أو السجينة التي جند زوجها أو ابنها أو حتى أخوها ولم تستطع قوات العدو مسكه، فتنتقم من ذويه بهتك أعراضهم.
الأغرب أن الفرنسيين لم يكتفوا بهذه المجازر اللاإنسانية، بل إنهم قاموا باستخدام 42 ألف جزائرى كفئران تجارب نووية وهو ما ذكره في دراسته الباحث الفرنسي المتخصص في التجارب النووية الفرنسية برينو باريلو، الذي قال إن سلطات الاستعمار الفرنسية استخدمت 42 ألف جزائري «فئران تجارب» فى تفجير أولى قنابلها النووية في صحراء الجزائر في 13 أكتوبر 1960 و27 ديسمبر من العام نفسه.
(1) رضا عوض صوت الأمة 9 مايو 2018 م التاريخ يفضح مجازر الفرنسيين وحروب الإبادة ضد الشعوب.
ولا يجب هنا أن نغفل دور وبطولة المرأة الجزائرية في مقاومة الاستعمار ومن أبرزهن المناضلة “جميلة بو حيْرد” وما تعرضت له من تعذيب فاق التصور.
أما ما فعله الفرنسيون في مصر فحدث ولا حرج ويكفي هذه الرسالة التي أرسلها نابليون بونابرت للفيلسوف “رنييه” حيث كتب له يقول “في كل ليلة نقطع نحو 30 رأسا أكثرها لزعماء الثورة، وفي اعتقادي أن هذا سيعلمهم درسا مفيدا”.
دخل جنود نابليون الأزهر الشريف بجيادهم وربطوها في أعمدته، وداسوا المصاحف ونهبوا ما كان من متاع، ونصب نابليون مدافعه فوق مسجد السلطان حسين وقصف القلعة والبيوت وسقط خلق كثير، وحكم على 13 من شيوخ الأزهر بالإعدام.
وحينما حاصر يافا، وطلب استسلام حاكمها، واستسلم مقابل حقن الدماء، ووافق نابليون، وبعد دخول يافا نكص بعهده من سرقة الأملاك والأموال النهب والسلب.
وغير هذا تم في تونس وغيرها من البلاد، ويتفوق على ذلك ما فعله الاستعمار البريطاني في شتى أنحاء العالم وأبرزها “جنوب إفريقيا ومصر” وكذلك ما فعله الاحتلال الإيطالي على سبيل المثال في “ليبيا” والبطولات التي سطرها التاريخ للشعب الليبي وما قدمه قادة المقاومة من بطولات خارقة وعلى رأسهم الشهيد “عمر المختار”.
3 – السود والبيض في أمريكا :
لا يخفى على أحد التاريخ الأسود للأمريكيين مع السود الذين اختطفوهم من قارة إفريقيا وغيرها، والمذابح والتعذيب والحرق والتفرقة العنصرية:
“كانت قوانين مدينة مونتجمرى بولاية آلاباما فى الجنوب الأمريكي تنص على أن يدفع السود ثمن التذكرة من الباب الأمامى وأن يصعدوا الحافلة من الباب الخلفى، وأن يجلسوا فى المقاعد الخلفية، أما البيض فلهم المقاعد الأمامية، بل من حق السائق أن يأمر الركاب السود الجالسين أن يتركوا مقاعدهم من أجل أن يجلس شخص أبيض”. محمد المنشاوي .. ماضي وحاضر العنصرية الأمريكية .. الشروق .. الجمعة 8 مايو 2015 م.

بقلم الدكتور: محمود حسن
من كتاب ” المواطنة في الإسلام ومسائل أخرى”



