الدكان .. ذكريات وقصص لا تُنسى الزمان الجميل مع الدكان في جنوب مصر

الدكان وذكريات الزمن الجميل؛ حين نتأمل هذه الصورة، نجد أنها تختزل في طياتها دلالات ورموزاً وقصصاً من زمنٍ مضى. هذا الدكان هو من إبداع الفنان الهاوي سعد عبد الله، ابن قرية “الشيخ مسعود” بمركز العدوة في محافظة المنيا، والذي عُرف بشغفه بتوثيق البيوت القديمة.

كان هذا الدكان يوماً ما مصدر سعادةٍ وبهجة، حيث يلتف الأهالي حوله ويجتمعون في رحابه، وكان صاحبه يعدّ وجهاً بارزاً من وجوه القرية، يمارس مهنته بذكاءٍ وتواضعٍ في التعامل مع الجميع.
في تلك الأيام، كانت دكاكين القرية قليلة، مما خلق حالة من التنافس الودي بين أصحابها.
كانت معظم تلك الدكاكين تتميز بلونها الأخضر المميز، وتأملوا معي باب الدكان؛ فهو مطلي بطلاء زيتي، نلاحظ فيه تباين الألوان بين النصف العلوي والنصف السفلي؛ حيث بهتت ألوان الجزء السفلي بينما احتفظ العلوي ببريقٍ أكبر.
يعود ذلك إلى أن الأطفال كانوا يتجمعون أمام الدكان بعد إغلاقه ليمارسوا ألعابهم الشعبية القديمة، مثل:
“الاستغماية”
“دارت”
“حُم حُمام”
“البعجة”،
وغيرها من الألعاب التي كانت تملأ قرانا صخباً وبراءة.
لقد كان ملامستهم المستمرة للباب سبباً في بهتان معالمه، تماماً كما غيّرت دوامة الزمان ملامح هؤلاء الأطفال، فمنهم من صار شيخاً طاعناً في السن، ومنهم من رحل كما رحلت تلك الألوان. وإذا ما نظرنا إلى أعلى الدكان، نجد مظلة…

صنع صاحب الدكان مظلةً خشبيةً ليقي الزبائن حرارة الشمس أثناء انتظارهم، وبجانبها شجرةٌ حديثة الغرس.
ركز المصور عدسته على باب الدكان دون التقاط المكان كاملاً، وتظهر في الحائط حفرٌ تشي بتمديدات كهربائية قديمة أو ربما لم تصل إليه الكهرباء قط؛ إذ كان صاحب الدكان يعتمد قديماً على “الكلوب” كمصدر قوي للإضاءة.
عند فتح الباب، يبرز “بنك” خشبي يعمل كحاجز يفصل بين الزبائن وصاحب الدكان؛ حيث يغلق النصف السفلي منه الممر، بينما يظل النصف العلوي مفتوحاً للتعامل.
لم يكن الدكان مكاناً للجلوس، بل محلاً للشراء، فكان الزبائن يجلسون خارجه؛ حيث تحلو السهرات وتُروى القصص والروايات، ويشترون التسالي والسجائر، ويستمعون إلى المذياع وأخبار اليوم وقصص “أبي زيد الهلالي”، بينما كان التاجر يحرص على توفير كل ما يحتاجه أهل القرية.
كانت دكاكين القرية قديماً تبيع كل ما يحتاجه الناس من سلع أساسية مثل الشاي
السكر
السجائر
السمن
الزيت
الدقيق
بالإضافة إلى:
اللب
التسالي
السردين
المعسل
ورق اللف.
كانت معظم هذه الأصناف تُباع في قراطيس ورقية، خاصة في مواسم الحصاد وجني القطن.
وفي الأيام الحارة، كان صاحب الدكان يبيع المشروبات الغازية مثل “الكوكاكولا”، ونظراً لعدم وجود ثلاجات، كان يضعها في أوعية مليئة بالماء لتبرد.
كما كانت الدكاكين توفر مستلزمات الحياة اليومية البسيطة؛ من حلاوة طحينية، وإبر خياطة، وإبر لصيانة “بابور الجاز” الذي كان يعتمد عليه الجميع في الطهي.
كان صاحب الدكان يُسجّل مشتريات الأهالي المؤجلة في دفتر خاص، فيما يُعرف بـ “النوتة” أو “الشِكك”، حيث كان الفلاح لا يملك المال إلا في مواسم حصاد القمح أو جني القطن، فيبقى مديناً للدكان حتى يحين موعد الحصاد.
كان الدكان يظل مفتوحاً طوال النهار وحتى منتصف الليل، ليكون ملتقى للناس ومركزاً لحياتهم.
وعند المقارنة بين دكان الأمس وما نراه اليوم من تطور وحداثة، نجد فرقاً شاسعاً، لكن السعادة الحقيقية كانت تكمن في ذلك الدكان البسيط ذي الألوان الباهتة؛ فالسعادة لا تُشترى بالمال، وذكريات الزمن الجميل لا تُعوّض، ولذا تظل قلوبنا تحنُّ دائماً إلى ذلك الماضي البسيط.