إبداع وفنون

مجلة الشعر: صدور العدد الجديد برئاسة فارس خضر.. قريبا بالأسواق”

صدور العدد الجديد من مجلة الشعر التي تصدر عن الهيئة للاعلام تعود الى الساحة من جديد في ثوب جديد وقريبا تجدون العدد الجديد رقم ” ” بالاسواق وننقل لكم الصفحة الاخيرة من المجلة بقلم رئيس التحرير الشاعر الدكتور فارس خضر.

الصفحة الأخير دعوا الجمال لأهله

فارس خضر

(1)

مَالَ أحدُ حضور المؤتمر على أُذن الناقدة فريال غزول، وسألها: ما اسم هذا الشاعر الذي هناك؟ نَظَرتْ حيثُ أشار، وقالت له: من تقصد؟.. عبد الحميد حواس!.. لا لا.. ليس شاعرًا. فقال لها بيقين العارف: بل شاعر.. شاعر ولو لم يكتب بيتًا واحدًا من الشعر.

(2)

لا أظنهم كانوا مجرد متسابقين صغار، من ذوي الإعاقة، يشاركون في مسابقة للركض، في الأولمبياد الدولي بمدينة سياتل الأمريكية عام 1976. الأرجح أنهم كانوا شعراء، يحتقرون – في أعماقهم – النظرة الثنائية للحياة بوصفها صراعًا بين فريقين؛ فائز وخاسر. ذلك لأنه حين سقط أحدُهم على أرض السباق وبكى من شدة الألم، حتى إنه لم يستطع النهوض من جديد، توقف المتسابقون جميعًا عن الركض وعادوا إليه، والتفوا حوله يواسونه. وفيما كانت الجماهير في المدرجات تكتم أنفاسها، وتنتظر بلهفة «البطل» الأولمبي الذي سيعبر خط النهاية أولًا، ويُتوَّج بالميدالية الذهبية، كان الشعراء – أقصد المتسابقين – يساعدون زميلهم على النهوض، ثم يقفون في صف واحد، يشبك كلُّ منهم يده بيد الآخر، ليقطعوا الطريق معًا إلى خط النهاية في هدوء، فيعبروه جميعًا في اللحظة نفسها.

(3)

أحب هذه الحالة النادرة من زهو الشاعر، وامتلائه بشعور الانتصار – ربما على الموت ذاته – عند كتابته نصًا جديدًا.
وأحب أن أرى الشعراء على المنصات العالية، تحيطهم الأضواء والكاميرات، ويهدر تصفيق المعجبين بهم في القاعات المبهرجة، وهم يتسلمون جوائز مالية سخية.. نعم أحب هذه اللحظة ذاتها – بغض النظر عن إعجابي بالمنجز الشعرى للشاعر من عدمه. تمامًا كما أحب مشهد البطل المهزوم في فيلم الجوكر، وهو يتوهم نفسه محاطًا بالأضواء والشهرة وصرخات المعجبين.
المشكلة أن صُرَّة المال التي منحها الخليفة للشاعر فيما مضى، لم تعد مجرد أُعطية لضمان الولاء ولمزيد من قصائد المديح.. لكنها صارت محاولة استرداد للحظات تاريخية قديمة، وترسيخها. لا لكي تكون حجر عثرة في حركة الحداثة الشعرية فحسب، ولكن لكي تُسْبِغ الشرعيةَ على أنظمة قديمة منتهية الصلاحية التاريخية أيضًا..

فالمستفيدون من اللحظة التاريخية الراهنة هم الذين يروّجون للماضي، لأنهم يعرفون أن القبول بالتحديث الشعري، سيتبعه تحديث في البنى السياسية والاجتماعية القائمة، ولو بعد حين.

والثابت أن فكرة المسابقات الشعرية تنسجم بشكل كبير مع طبيعة القصيدة العمودية، وأدوارها في أسواق العرب القديمة، وهي تقف – حاليًا – على النقيض مما تفعله القصيدة الحديثة، التي صارت لسان حال الشاعر وليس القبيلة. وما الإصرار على استمرار المسابقات المعاصرة التي تحتفي بالشعر القديم إلا امتدادٌ نفسي وثقافي لهذا الإرث البائد.

(4)

هذه حياة أقسى من أن يحتملها الشعراء.. ضلّلتنا القصائد القديمة حتى ظننا الشاعر نبيًا رائيًا، فإذا بالقصيدة الحديثة تُنزله من عليائه وتُفقده نُبوّته الرومانتيكية وتَنزع عنه رداءه الملائكي .. ليعود طائعًا إلى غبار الوجوه والشوارع والنفوس. لا كنبيٍّ قديم، ولا كهزيمة تمشي على الأرض.. ولكن كواحد من الناس، من الأبطال الحقيقيين الذين يعبرون الغابة البشرية يوميًا دون أن تتسخ أرواحهم..

ما فعلته قصيدة النثر – تحديدًا – أنها قالت للشاعر: أنت أضعف من أن تدّعى لنفسك بطولةً أو امتيازًا خاصًا.. لأن بطولتك الحقيقية: أنك تشبه مَنْ تدّعي الدفاع عن أرواحهم، وربما كُنت أكثرَ منهم هشاشةً وضعفًا.

(5)

الشاعر صانع الجمال وصنيعته.. فما من مرة التقيت شاعرًا عظيمًا إلا ووجدته منفتحًا على التيارات الشعرية كلها، وبصدر رحب يتقبلُ آراء وتوجهات وقناعات الآخرين، حتى لو كانت معاكسةً لقناعاته وذائقته. لا وقت لديه للمعارك السخيفة المكرورة، ولا طاقة للتسامح مع القبح.. فصُنّاع الجمال لا يرون غيره. أما الشاعر الأسوأ على الإطلاق فهو الذي تلمح في عينيه تعاليًا وازدراءً حين يسمع نصًا مغايرًا لما يكتبه هو، وكأنه امتلك الحقيقة الشعرية الكاملة.. وكأن ذائقتَه مقياسٌ لما ينبغي أن يكتبه الآخرون.

(6)

أخذت حصتي من الجمال كاملة، انتزعتها نثيرًة نثيرًة من بين أنياب الألم. حتى الألم.. حفرت تحت جذعه الأسْود الثقيل.. ورأيت الجمال كامنًا عند جذوره.. نعم: لو لم تغدر حبيبةٌ.. لعشت يومًا جديدًا متوهمًا أن المحبةَ راسخة.. لو لم يتركني صديق على الطريق.. لظننتُه سيتلقّى الطعنة عنّي. فلا تبتئس من الخذلان.. فلولاه لانقضى العمرُ في الوهم..
………..
خذ حصتك من الجمال..
أو… فلتدع الجمال لأهله.

مجلة الشعر

رئيس التحرير:د. فارس خضر

مدير التحرير: أحمد المريخي
المدير الفني: احمد صلاح
التدقيق اللغوي: أشرف عبد الهادي
تصميم الغلاف: محمد سليم
قد يهمك أيضا:

احمد الشافعي يكتب: الشعر العمودي لم يمت… الذي مات هو الوهم بأن الحداثة تُقاس بإسقاط الوزن

عتاب لمصر : شعر : عبد الله محمد باشراحيل الكندي

بخصوص جائزة بشراحيل.. الدكتور منتصر نبيه يكتب: نحن من علمنا العالم الذوق والجمال والفن والشعر

ولي في الأفق أحلامٌ.. شعر: عبد العليم اسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى